البطحي.. سقراط (عنيزة) وفيلسوفها..
د. عبدالله مناع



في هذه الليلة من ليالي مهرجان (عنيزة) الأول للثقافة والتراث، الذي يحتضن هذه الندوة عن الدور التربوي والثقافي والتاريخي للأستاذ عبد الرحمن إبراهيم البطحي.. أستميحكم العذر في أن لا أحدثكم عن حياة الأستاذ عبد الرحمن البطحي التي تعرفونها وتعرفون كل صغيرة وكبيرة عنها وفيها بأكثر مني، لأنني لو فعلت ذلك.. لكنت كمن يبيع التمر في هجر أو من يبيع الماء في (حارة السقايين)، لكنني سأحاول في المقابل أن أقدم قراءة فكرية اجتهادية للسبعين عاماً التي أمضاها من حياته بيننا وبين جفني ساحرته.. مدينته (عنيزة).. التي خلبت ألباب من جاؤوها من الشرق أو الغرب فهاموا بها، وكان هو أسبقهم هياماً بها، وعشقاً لها.. رغم سبقهم.. وإلى أن غدر بنا قدره فمات في لحظة توقعنا إبلاله.. ورجاؤنا في أن يفي بوعوده التي قطعها للخلّص من أصدقائه وأحبائه.. في كتابة تاريخ عنيزة، وعدم الاكتفاء بملحمته الشعرية (هذي.. عنيزة) التي قدمها أجمل وأذكى تقديم عندما قال: (لكل إنسان الحق المطلق بأن يفخر ويعتز بتاريخ بلده وبأفعال أهله المتميزة - إن وُجد - لا بقصد الادعاء ولا بقصد التعالي على الغير والاستهانة بهم، وإنما بهدف ممارسة الحق الطبيعي وتثبيته، ومن يدّعي احتواء ومبررات الفخر وحده دون غيره، فهو تافه مغرور كالديك الذي يظن أن الشمس لا تشرق إلا لكي تستمع إلى صياحه)!!
إن مصادري في هذه المحاولة أو خريطة طريقي إليها ليست كثيرة ولا متشعبة، إنها تنحصر في ثلاثة: في ذلك (اللقاء الصحفي) المطول الوحيد والجميل والعميق الذي فاز بإجرائه معه تلميذه وصديقه الأستاذ محمد السيف رئيس القسم الثقافي بجريدة الاقتصادية، وفي ذلك (العدد) من المجلة الثقافية الصادر عن صحيفة الجزيرة بعد سبعة عشر يوماً من وفاة الأستاذ البطحي، الذي حمل عنوان (سبعون)، تحت (البورتريه) الذي رسمته للأستاذ البطحي ريشة الرسام أحمد الشيمي.. إلى جانب مئذنة (جامع الجراح) الأثري التراثي، الذي مات الأستاذ البطحي وهو يصر على أن يستبقي اسمه دون تعديل.. لأنه من (ثوابت تاريخ المدينة (عنيزة) التي يجب أن تبقى على امتداد الأجيال المقبلة)، وفي تلك (اللقاءات) الحميمة الثلاثة التي أجريتها معه وما تبعها من محادثتين هاتفيتين بدءاً من خريف عام 1324هـ إلى أن صعقنا قدر وفاته، والتي حملتني إليها فرصة مجيئي لعنيزة ثانية لاسترجاع الأزمنة والتعرف على الأمكنة التي شهدت ولادة تلك الشخصية السياسية المحورية الكبرى في حياة الوطن التي اعتزمت الكتابة عن حياتها كتاباً تاريخياً موثقاً: أين عاش؟ وكيف عاش؟ وماذا فعل عندما دارت به الأيام وأصبح نجم نجوم حكومة الملك عبدالعزيز بعد ضم الحجاز..؟
عندما وصلنا في تلك الزيارة الخريفية الأولى.. أحاطت بنا كوكبة من شيوخ ورجال وشباب عنيزة بكرمهم وسماحتهم، بعاطفتهم وعفويتهم وتدفقهم الإنساني غير المحدود.. لتنعدم المسافات بيننا في دقائق.. ولأسألهم مجتمعين أو لأسأل أحد شبيباتهم إن كان بإمكاني أن ألتقي بشخصية أو شخصيات من أبناء عنيزة العالمين بتاريخها علّي أجد من بينهم من يساعدني بتاريخ شفوي غير مكتوب عن تلك الشخصية أستكمل بها صورته غير المكتوبة عن مسقط رأسه وأيامه الأولى فيها..؟
فكانت إجابتهم مجتمعين وفرادى.. نعم. إنه هو ولا غيره: (أبو إبراهيم) الشيخ عبد الرحمن البطحي، الأديب والشاعر والمؤرخ النسَّابة التراثي المعاصر، مدير المدرسة السعودية الذي تقاعد مؤخراً، والذي سيسعده حتماً أن يلقاك.
بعد أن انفض مجلسنا.. كنت أطرق باب منزله بموعد ترتب عبر الهاتف في دقائق، ليرحب بي بحرارة من يعرفني تماماً، وقد أخجلني أنني لم أكن أعرفه بذات القدر.. ولكن بعد فنجان الشاي الأول كنت قد عرفته.. وبعد الثاني كنت قد أحببته.. وبعد أن امتد بنا الحديث أدركت مجدداً معنى (النسب) الذي تحدث عنه شاعر الجزيرة العربية امرؤ القيس.. عندما قال
:

                                                        أجارتنا إن الخطوب تنوب ** وإني مقيم ما أقام عسيب
                                                        أجارتنا أنَّا غريبان ها هنا ** وكل غريب للغريب نسيب


من خلال تلك المصادر على قلتها.. وعبر تلك الخريطة على قصرها، كانت ترتسم أمامي صورته العلمية والعملية، الفكرية الوجدانية.. بسعيها المعوّض، وطموحها المتحقق.. غير المعترف به من قبل صاحبه، بانكسارها وصمتها، بشفافية عدلها مع الخصوم وامتناعها عن مداجاة الأحبة بما لا يستحقون.. بعزوفها وهروبها من كلمة تُكتب فتُحسب.. إلى كلمة تطلق في الفضاء فيبددها الهواء وقد تستقر في عقل يحتويها.. أو قلب يؤمن بها، لقد سمعت نبض قلبه عربياً يتدفق، ورأيت في بريق عينيه.. بقايا لا بل شظايا أحلام لم تتحقق، ثم انقشعت سحب الصمت السوداء.. ليجري ماء النهر: فكراً عذباً سائغاً مترسلاً، بادئاً من التاريخ والأدب والفكر الاجتماعي والسياسي.. منتهياً إلى الشعر بفصيحه ونبطه.. إلى المواقع والمواضع.. إلى الصحراء بجبالها وأوديتها وخبوبها وباديتها وإنسانها الفطري النقي الذي لا يعرف الترهل لفظاً وشكلاً (فمن شاهدهم يكون قد شاهد الشخصية العربية النقية بقيمها وتقاليدها.. وشاهد فيهم الصحراء العربية.. بهيبتها وعظمة كبريائها).. لتكون هذه الكتلة البشرية الحية النابضة في النهاية.. هي هذا البطحي: سقراط عنيزة.. وفيلسوفها.. والمتحدث الثقافي عنها أو كما قال الصديق الدكتور عبد الله الغذامي: سيد المجالس.
فإذا كان الفنانون التشكيليون يقولون بأن أول خط في اللوحة.. يرسمها، وإذا كان النحاتون يؤمِّنون على قولهم.. بأن أول ضربة أزميل في كتلة الصخر أو المرمى تصنع التمثال، فإن أول صدمة تلقتها حياة الشاب عبد الرحمن البطحي في السبعينيات الهجرية - الخمسينيات الميلادية من القرنين الماضيين، هي فصله من المدرسة الإعدادية قبل أن يتمها ودون ما سبب إلا (أنه أدرك واجبه الوطني في تلك السن المبكرة) وعمل على (بث الروح الوطنية عن طريق نشر الوعي والثقافة)، وكان جل سعيه في سبيل العودة إلى مدرسته بعد أن حصل على (الإعدادية) من منازلهم أن قيل له ب(عليه أن يُطع ويمتثل)، فاستجاب مكرهاً وامتثل مرغماً لتكون تلك (الصدمة)، هي الخط الأول في اللوحة بلغة التشكيليين، وهي ضربة الأزميل الأولى بلغة النحاتين..!
كان طبيعياً لهذه النفس الطموحة أن لا تقف عند مبرر (طَعَّ وامتثل) المتهالك، ليسافر إلى (بيروت) وهي تغلي بأحداث الخمسينيات السياسية، وتشرع أبوابها على كل الاتجاهات والمدارات وهي تجعل من مشروع (التنوير) منهجاً ودعوة لأبناء الأمة العربية جمعاء.. لا فكرة نخبوية، تتداولها مجالس قلة من المفكرين والأدباء.. ليثقف نفسه، وليدرس الإنجليزية دون دراسة نظامية، وليقرأ ويسمع ويحاور ويتعرف على تلك الرموز الثقافية والفكرية (الودودة والخطرة.. كما قال) من أمثال مارون عبود وجورج حنا ومنير بعلبكي ودار العلم للملايين التي كانت مطبوعاتها المحرمة في أسواق المملكة آنذاك أندر من اللالئ السوداء.
لقد كان سفر هذا الشاب الطموح والمصدوم إلى بيروت في سنوات مجدها وغليانها وما يصب فيها من فكر قومي ملتهب.. يشكل الخط الثاني في لوحته.. وضربة الأزميل الثانية في منحوتته، لتحله رغبة التعويض من جانب، والمعايشة والمعاشرة من جانب آخر.. لقطع عشرات الأميال على مختلف دروب المعرفة: أدباً وتاريخاً وفلسفة وشعراً وفكراً سياسياً قومياً.
لقد كان طريفاً في تلك الرحلة الشبابية البريئة والمندفعة أن يحمل معه إلى بيروت كتابين: (ديوان الرصافي) وكتاب (جوهر الأدب).. ليعتذر بعد لأي من الوقت عن ارتكابه لجريمة حمل كتاب إلى بيروت، مدينة الكتاب العربية الأولى منذ تلك الأزمان وإلى يومنا هذا.
عندما عاد (البطحي) من رحلته إلى بيروت.. كانت الظروف السياسية قد تغيرت بعض الشيء بما سمح بتعيينه مدرساً للتاريخ بالمدرسة التي فُصل منها، ليرتقي بإمكاناته وحجم معرفته سلم الوظائف التربوية فيها سريعاً إلى أن أصبح مديراً لها، وكان متوقعاً أن ينتقل بعد قليل أو كثير من الأعوام.. إلى وظيفة تربوية أعلى سواء في منطقته أو خارجها أو في مقر الوزارة بالعاصمة.
إذ لم يكن في ذلك الوقت من أوائل الستينيات نظراء كثيرون مثله، لكنه مع ذلك بقي في تلك الوظيفة أعواماً بعد أعوام حتى بلغت أربعة وثلاثين عاماً، ليشكل هذا البقاء الطويل بمعناه ومغزاه.. الخط الثالث في لوحته - في منحوتته، لكأنهم أرادوه سجناً لا يُلامون عليه.. فجعله بإدراكه ووعيه وموسوعيته العلمية حقلا أخضر يانعاً، فقد رأى في أولئك البراعم الصغار الذين كانوا يفدون إليه كل عام فرصة لاستبدال (سريج التنك) في رؤوسهم بشموع العلم والمعرفة والتنوير، ليقول عن تلك السنين الطوال (التي قضاها مع تلاميذه من أبناء عنيزة، بأنها التاج الذي يضعه على هامته)، فكانت سعادته لا تقدر بأموال الدنيا كلها.. عندما كبر أولئك الصغار وتخرجوا وعادوا إليه ليحاوروه ويناقشوه، يعطونه ويستزيدون منه، ليقول فيما بعد قوله الجميل والكبير: (ما ألذ وأحلى أن يتناول المرء غداءً.. له بعض المساهمة في إنتاجه وإنضاجه)..!؟
مع هذه السنوات الطوال التي أمضاها الشيخ عبد الرحمن البطحي في التربية والتعليم في عنيزة.. إلا أنه لم يدّع بأنه (أب التعليم في عنيزة) أو في غيرها من مدن القصيم، بل قال طواعية باعتراف وعرفان تبجيلي.. ب(أن أب التعليم الرسمي في عنيزة هو الشيخ صالح بن ناصر الصالح).. وأن أب التعليم الحديث (ليس في عنيزة وحدها بل في بلاد نجد كلها.. هو الشيخ المعلم صالح بن عبد الله القرزعي)، الذي افتتح مدرسته الأهلية الأولى عام 1338ه.. لتتحول بعد وفاته بثمانية عشر عاماً إلى أول مدرسة حكومية، ولتصبح نواة التعليم في (عنيزة).. ليشكل هذا الخط الأبيض، النقي الناصع رابع خطوط لوحته.. منحوتته في قلب الحياة، وقلوب محبيه وعارفيه ومريديه من داخل عنيزة وخارجها، إذ لا أظن أن أحداً ممن يعنيهم شأن الوطن أو الأمة من القادمين إلى عنيزة.. إلا وذهب للقاء الشيخ (البطحي) والحوار معه والاستماع إليه.. والاتفاق والاختلاف معه.. والأخذ منه في النهاية.
لقد كان زواره وقاصدوه على الدوام ومن خارج عنيزة والمملكة على وجه الخصوص.. من الأدباء والمثقفين والدارسين وأصحاب رسائل الماجستير والدكتوراه، ولعل أحد أبرزهم كان هو: (البروفيسور) الدكتور دونالد كول.. الذي قدم لزيارته في أواخر الستينيات للاستفادة منه في تحضيره لرسالة الدكتوراه عن (البادية في المملكة)، وبعد أن حصل عليها.. عاد إليها وإليه ثانية في أواخر الثمانينيات الميلادية لمساعدته في بحثه (الإنثروبولوجي) الذي قرر إجراءه مع زميلته في جامعة بيركلي الأمريكية الدكتورة ثريا عبد الله التركي عن (عنيزة) كنموذج لما تحدثه (التنمية والتغيير في مدينة نجدية عربية).. ليظهر كل ذلك في واحد من أجمل الكتب وأصدقها وأدقها وأشملها عن (عنيزة).
لقد أشهر الدكتور كول إسلامه فيما بعد.. وشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولست أدري إن كان إعجابه ب(البطحي) وفكره وثقافته الموسوعية وحياته بين رمال الصحراء وأوديتها.. هو الذي قاده إلى الإسلام أم لا، لكن أسعدني حقاً ما قاله عن البطحي برؤية عالم الاجتماع وأستاذه بأنه (رجل موسوعي، ومؤرخ حقيقي، ومفكر راصد بدقة للمتغيرات الاجتماعية) وعندما علم بوفاة الشيخ البطحي بعد ذلك.. قال: (إني أشعر مع رحيله بالحزن العميق، وأؤكد أن المملكة افتقدت مؤرخاً ومفكراً كبيراً بوفاة عبد الرحمن البطحي).
تردد الأستاذ عبد الرحمن البطحي كثيراً على (القاهرة) و(بيروت) بامتداد الستينيات وحتى منتصف السبعينيات بحثاً عن كتب أو لقاء مثقف أو أديب.. أو نسمة هواء يستنشقها، ورغم تزامن تواجده في القاهرة - في بعض تلك الرحلات - مع تواجد الفيلسوف والمفكر والكاتب العربي الكبير الأستاذ عبد الله القصيمي الذي أقام بها منذ أن غادر القصيم.. إلا أن البطحي لم يلتق به، وكان سببه في عدم اللقاء هذا أنه (لم يكن مقتنعاً برؤيته ولا بطريقته في الطرح التي استنتجها ممن يلتقون به ومن قراءاته لعدد من كتبه الرئيسية المكثفة).. لكن مع ذلك قدم أجمل تعليق معارض للقصيمي وفكره عندما قال: (من يقرأ القصيمي يجده غواصاً ماهراً في لجج الأفكار، ومحلقاً في التوصيف والتحليل، ويرى فيه بعض قراءه أنه يُلغي ولا يُثبت، وأنه يعكر الماء ولا يؤمِّن البديل)..!
وعندما دارت الأيام.. وقدم الدكتور فيصل بن عبد الله القصيمي للعمل بمستشفى عنيزة، دعاه أحد زملائه الأطباء لزيارة الأستاذ البطحي في منزله.. فكان كل علمه عنه آنذاك أنه مدير مدرسة متقاعد، لكن عندما جلس ثلاثتهم على الأرض وأخذ البطحي (يتحدث عن الأمم والممالك والحرب العالمية الأولى، وأحوال نجد وحروبها، ومنازل القبائل والوديان، ودروب الصحراء والهجر والماء والطير والحيوان، وغدر العرب ونخوتهم، ودعاء نفوسهم وسماحة قلوبهم).. كانت روح الدكتور فيصل وعقله تطيران.. وتحلقان في سحر حديث البطحي وروعته وكأنه يعيش (لحظة أن أغار لورنس العرب على العقبة أو نسف خط حديد الحجاز) أو كأنه (يسمع أهازيج وأشعار الإخوان وهم يواجهون طائرات الإنجليز ومدافعهم الرشاشة التي لم يعرفوها من قبل).
ومع انتهاء اللقاء.. فاجأه الأستاذ البطحي بعد أيام ليصحبه في جولة بقرى القصيم، وكان هدف هذه الجولة هو أن يريه (خب الحلوة.. مسقط رأس والده الأستاذ عبد الله القصيمي)..!
إن مزيج الاختلاف في الرأي، والاعتراف بقيمة أصحابه، والحنو على تاريخهم.. بهذه الصورة الباهرة، يرسم أمامي الخط الخامس الذي تكتمل به لوحته.. أو ضربة الأزميل الخامسة التي تضع اللمسة الأخيرة على منحوتته، لنرى لوحته الفكرية في تمام إشراقها.. ونتحسس ملامح منحوتته فنسمعها وكأنها تتكلم ونراها وكأنها تبتسم.
رغم أن الأستاذ عبد الرحمن البطحي.. قد بدا طوال سني حياته كما لو أنه احتوى صدمة شبابه الأولى.. وتجاوز آثارها بتلك الشبكة المعرفية الموسوعية المرهقة في شتى العلوم والفنون والآداب، وبتلك العلاقات الثقافية العريضة والمتعددة، وبذلك التعالي على طلب الشهادات والركض خلفها، وقد نجح في كل ذلك.. إلا أن رواسب من الخوف والشك والحزن العميق ظلت خلف نضارة فكره، وحيوية مواقفه، وموسوعية معارفه.
لكأن تلك الرواسب هي التي حملته على أن يدع القلم.. وهو الأكتب، وأن لا يقف خلف ميكرفون.. وهو الأقدر، وأن لا يظهر في قناة فضائية أو على ظهر صحيفة أو مجلة.. وهو الأجدر.
نعم.. لقد كان الأستاذ عبد الرحمن البطحي على حق عندما أجاب عن سؤال الأستاذ محمد السيف أين يجد نفسه، في الشعر أم في التاريخ أم في الفكر أم في الثقافة العامة؟ قائلاً بأنه (يجد نفسه فيها جميعها) و(إن له في كل فرع منها كرسياً، وطاولة، وقلماً، وكراساً)..!!
ولكن يبدو أن تلك الرواسب ولا غيرها.. هي التي جعلته لا يستخدم كل معداته تلك، فيؤثر الصمت.. نشراً، والاكتفاء بحوارات منزله ومطلته.. حديثاً فإذا طلبت الصحافة منه لقاءً اعتذر ب(أنه ليس لديه ما يقوله).. وإذا طلبت منه صورة امتنع قائلاً: (إنني لا أرغب في أن ينفصل عني ظلي)..!
..
حتى رحل دون أن يترك كتاباً نقرأه له.. أو صورة نراه منها.. سوى أصداء حواراته.. في فضاء منزلها ومطلته، ليأتي دور تلاميذه ومحبيه ومريديه
.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الرحمن البطحي...الرجل الذي لم ينفصل عن ظِلِّه

إبراهيم منصور الشوشان
*


عمن أريد أن أتحدث..؟! لا أظن أن أحداً يحسن الكتابة عن هذا الموضوع..! عفواً..! لقد جعلته موضوعاً..! هو ليس بموضوع..! إن هو إلا كم هائل من الاعتبارات التي يصعب التعبير عنها، هو (إنسان) وإنسانٌ معتبرٌ بكل معنى الكلمة، ليس مثله من يُشَيَّأ..! ما أكثر الناس (الأشياء)..! عفواً مرة أخرى..! أنا لا أريد أن أغمس في إناء المفكر الوجودي (جان بول سارتر) فلعل هذا يغيظ فقيدنا موضوع الحديث، ولكني سأعرض تصنيفاً - وأستميحكم عذراً - جاء في أدبيات العرب، قال حكيم: (الناس ينقسمون إلى طوائف أربع، وهم: طائفة الحكام الذين يبسطون سلطانهم على الناس ويقيمون العدل بينهم وطائفة هم أهل العلم والفقه وهم الذين يبينون للناس أمور دينهم ودنياهم وطائفة هم أهل الشجاعة والنخوة والبأس الذين يذودون عن الحمى ويلوذ بهم الضعفاء وطائفة الأجواد والكرماء الذين يبذلون أموالهم ويلجأ إليهم أصحاب الحاجات ويدفعون الغرامات، وما بقي هم من العالة الذين يضيقون الطرقات ويعكرون الماء ويغلون الأسعار) هذا كلامٌ مجرد لا ينهض إلى مستوى الفلسفة فالتفلسف خاصية يتميز بها فقيدنا فله بها القدح المعلى فهو يحب النظر لكثير من الأمور من خلال المنظار الفلسفي، ترى هل يتماهى ما ورد آنفاً مع قول الشاعر: قد يهون العمر إلا ساعة وتضيق الأرض إلا موضعاً
إن وجه العلاقة هو (القيمة) أي (المعنى) وهو ما يتجلى فيه ويسعى إليه فقيدنا المفكر الفيلسوف، المثقف الأديب الشاعر الراوية النسابة المهتم بالآثار والمواقع الملم بعلوم عصره المعلم )الأساتذة) عبد الرحمن البطحي - أبو إبراهيم - من رغب بالكنية دون البُنية. كانت تتجلى فيه صورة (الإنسان) الساعي إلى الكمال والطهر متغلباً ما أمكن على كل العوامل المسببة للخذلان والضعف مما يتهالك عليه الناس عادة حتى ألزم نفسه بأمور هي فوق ما يطيقه الكثير من أرباب المجاهدة في كافة أمور حياته من مأكل ومشرب وملبس وأمور أخرى هي محل خلاف، هل كان يسعى بذلك نحو تحقيق صورة الإنسان الكامل بذاته.. هل كان ينشد السعادة من خلال ذلك..؟ هل محاولته التمرد من شهوات البدن هو سعي للنفس نحو الفكاك من إسارها.
تحدث مرة عن رواية مشهورة للكاتب الإنجليزي (جوليان هكسلي) بعنوان العالم الجديد الجريء وهو كيف ان العالم المتحضر سئم الركون إلى الضعف الذي يعتور المخلوق البشري وأخذ يبحث عن مخرج فلم يجد بداً من أن يصنع نفسه بنفسه..!
وكانت هذه الرواية هي المخرج وهي النبوءة وهي محاولة صنع الإنسان وفق ما يرغب الإنسان واستطرد بالحديث عن النكسة الأخلاقية التي سوف تترتب على ذلك، وهو ما يمكن أن يحدث من خلال العبث بالجينات الوراثية ثم يعطي الوجه المشرق للتوجيه الإسلامي في تهذيب الأخلاق وبناء الإنسان وفق المعايير الإسلامية، فيتعرض للأخلاق عند ابن مسكويه وربطه بين الأخلاق والفضيلة، وإذا تحدث عن مجاهدة النفس وصمودها أخذ يتحدث بإسهاب عن الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية فتحس أنه تقمص روح هاتين الشخصيتين، فما هي إلا لحظات وإذا بنا أمام المهاتما غاندي بزهده وتضحيته ولا ينسى ان يحمد الله انه لم يقتل بيد مسلم. ثم تبرق عيناه وكأنما نحن أمام أمر جلل إنها (هيلين كلر) قد دخلت على الخط تلك المرأة العمياء الصماء، ولا يطول الوقت إلا ونحن مع الاسكندر المقدوني وليس المقصود الإشادة بالفاتح المشهور، بل المقصود هو الفيلسوف الزاهد الباحث عن الحقيقة (ديوجين) حيث يسأله الاسكندر إن كان يطلب حاجة يلبيها له فيطلب منه ان يبتعد كي لا يحجب عنه ضوء الشمس..! وأمام إعجابه بمثل هذه النماذج ندرك بوضوح أي شخصية هو..!
كان رحمه الله يقيم وزناً للجميع فمنتداه اليومي في بيته بحي المسهرية ثم فيما بعد مزرعته (مطلة) يؤمه مختلف الشخصيات الرسمية والأدبية وعامة الناس وكلهم أثيرون لديه فلا يقدر هذا دون ذاك ولا يمنح اهتمامه لشخص دون الآخر ومن أبرز صفاته انه لا يتجمل فهو لا يتظاهر بغير ما هو عليه في كل شئونه، كان يرى غناه ومعنى وجوده في كسب المعرفة واقتناصها من كل مصدر وامتلاكها، كان يسعى إليها سعي الشحيح للدينار والدرهم لكنه كان ينفقها إنفاق الجواد الذي لا يخشى على ماله النفاد، فلم يكن يرد سائلاً في أي مسألة من المسائل العلمية أو الأدبية أو في توجيه طالب يسعى لإكمال رسالته العلمية، وتزويده بما يحتاجه دون مَنّ، فهذا ديدنه منذ نشأة أول منتدى أدبي فكري منذ نحو خمسين عاماً (في قهوة المسهرية)، حتى ارتحل بعد هدم بيوت الطين، ثم انه أنشأ مزرعة (مطلة) فوق مكان مرتفع غربي مدينة عنيزة، كان يعقد بها المنتدى من صلاة المغرب إلى بعد العشاء وربما امتد إلى أكثر من ذلك بساعة أو ساعتين، وقد يأتي كبار السن الذين يجدون لدى أبي إبراهيم ما ينعش ذاكرتهم ويعيد إليهم الماضي الجميل، وتبدأ معظم الجلسات بداية عفوية ربما بدأت بسؤال من أحدهم أو نكتة ثم يأخذ الحديث مجراه، والحديث ذو شجون، وعند أبي إبراهيم ذو شجون وأشجان، فما تقول برجل ربما افتتح حديثه عن (جماعة المعتزلة) والموقف المعتزلي من فاعل الكبيرة، وعن النية والإرادة ثم في وسط الجلسة عرض عن أسباب إسقاط القنبلة من قبل الأمريكيين على هيروشيما ونجازاكي بسبب شفرة الحقل الجرثومي في تحليل يجهله الكثيرون، وفي آخر الجلسة نسمع منه قصة مجيدع الربوض - الكسير - الذي حمله أصحابه على الأكتاف دون أن تظهر عليهم علامات الإرهاق أو التململ ثم يأتي بذكر القصيدة الجميلة التي تصور حادثة تلك القصة، أو عن الشاعر زيد الخشيم الخالدي وعجز بيته الذي يتلذذ هو بترديده: ألْهَمْ زود وما بغا الله صاير. إن الذي يشد بإعجابك نحو هذا الرجل ثقافته الشمولية واهتمامه بكل المعارف الإنسانية، ففي جلساتٍ أخرى تجده يتحدث عن الحيل اللاشعورية ولا يستنكف أن يعترف انه يجد نفسه أحياناً واقعاً في مثل هذه السقطات الخارجة عن اللاشعور وان تحدث عن (راسكولينكوف) هذا الفتى الوصولي الذي يبرر لنفسه في رواية (الجريمة والعقاب) (لدوستويفسكي) أي فعل للوصول إلى غايته بدواعي تفوقه، فلا غرابة ان عرج على (عطيل) أحد أبطال (شكسبير) وكشف عن دوافعه النفسية لسلوكه الوحشي، وربما ختم جلسته متحدثاً عن عبقرية جلالة الملك عبد العزيز أو عن أحد المستشرقين أو الرحالة. أما صحة انتمائه الديني والوطني، فمن الذي يجرؤ أن يزايد أبا إبراهيم عليهما إنهما في السويداء من قلبه وعقله.
ومن أبرز سمات شخصية فقيدنا الصلابة المتناهية مع نفسه، فقد تعاورت جسمه النحيل العديد من الأمراض فمنذ ترك عمله متقاعداً استلمت هذه الأمراض وظائفها في جسمه واختارت الأجهزة الحيوية منه لكنه لم يشتك أو يتحدث بشيء من ذلك لأحد ولا لأدنى قرابته وإلى آخر أيامه كان يكره كل الكره الإلحاح بالسؤال عن صحته لما يُرى عليه من إعياء وضعف تبدو على ظاهر جسمه وليس على نفسيته ومعنويته وظلت هذه السمة معه إلى آخر أيامه، كان يسافر لمتابعة علاجه لوحده ويخضع للتنويم دون أن يذكر ذلك لأحد أو يبين بأي مستشفى يقيم حتى لا يثقل على أحد أو يشغل بال الآخرين تجاهه، لم نتعرف على مجمل الأمراض التي يعاني منها إلا بعد دخوله غرفة العناية الفائقة..! لقد مات الرجل واقفاً كنخلة من نخيل وادي الجناح..!
كانت رغبته ألا تشغل صحته بال الآخرين على الرغم مما أحيط به من محبة واحترام من عائلته وخاصة من أبناء اخوته الذين كانوا نعم الأبناء له، كانوا يراعونه أشد المراعاة لا يتخلفون - منذ أرشدوا - عن حضور مجلسه ومراعاة حاجات الضيوف بأريحية هي محل الإعجاب والتقدير.
هو من أسرة عريقة في عنيزة ذات امتداد عائلي كبير والده: إبراهيم بن صالح البطحي التاجر الشهير من تجار عنيزة البارزين، كانت معاملاته تمتد إلى خارج منطقة القصيم وربما لساحل الخليج والحجاز وخاصة التجارة التي تخص البادية من الإبل والأغنام والتمور والحبوب، فكان محل والده الكبير في سوق المدينة يستقبل تجار الإبل والأغنام من البادية وكذلك المنزل الكبير الذي لا يفرغ من رائح أو غاد فكان فقيدنا منذ نمت مداركه يخالط هؤلاء ويحادثهم ويسمع أخبارهم وينصت لمروياتهم ويحفظ ما يأتون به من طرائف وأشعار بأذن لاقطة وقلب واع، فأشرقت نفسه التواقة للمزيد فانصرف إلى المتميزين منهم بالرواية والشعر ليأخذ عنهم. لكن لم تصرفه الرواية الشعبية عن الاهتمام بالتراث العربي الفصيح فكان ينفرد بنفسه لمطالعة الأدب العربي شعره ونثره فيحفظ الكثير من النصوص الشهيرة مع شرحها، كالمعلقات ولامية العرب وحينها لم يظهر له ميل للاطلاع على ما استجد من دراسات أدبية حديثة كمدرسة الديوان أو أدب المهجريين، حتى اضطر للسفر لغرض العلاج وهو ابن السابعة عشر نحو لبنان وذلك في عام 1376هـ وكان نقطة انطلاقه وانفتاحه على العالم الخارجي وعلى الثقافة والفكر بمعناهما الواسعين. قال: (عند سفري لم أكن أحمل معي من الكتب سوى (جواهر الأدب) للشيخ أحمد الهاشمي لأنه كان من وجهة نظري آنذاك أعظم كتاب أدبي على الإطلاق ولكي لا أشعر بالسأم خلال إقامتي هناك).
لكنه لما وصل إلى هناك فكأنما قد فتحت له أبواب المعارف على مصراعيها، فلقد ولج عالماً آخر اختطفه إلى عوالم لم تخطر له على بال انتزعته من عالمه المحدود نحو العالم الواسع الرحيب، فردت له المعرفة ذراعيها بكل بهجتها وروعتها فاحتضنها بكل ما لديه من موهبة عقلية وقدرة ذهنية ولم يستهوه من مظاهر الحياة شيء سواها. فالتهم كل ما وقع عليه بصره من كتب الأدب والثقافة، وما كتب في العلم والفكر والفلسفة وأثناء إقامته بلبنان تهيأ له مقابلة بعض الأدباء والمفكرين، فكان مما أحضر عند عودته ترجمة كاملة (لملحمة الإلياذة) (لهوميروس) ترجمة البستاني وهي طبعة قديمة نادرة جداً ومحدودة الانتشار في العالم العربي وقد اطلعنا عليها. كانت الفترة التي قضاها في لبنان على قصرها بعيدة الأثر في توجيه ثقافته وفكره واتساعه وشموله، فحين عاد إلى وطنه عاد شاباً آخر، شاباً مشحوناً بعنفوان المعرفة، متوقداً ثقافة وفكراً وصاحبه هذا العنفوان والتوقد طيلة حياته مما جلب له الكثير من المضايقات ممن لا يدركون نقاء سريرته وسلامة اتجاهاته، وعلى الرغم من انفتاحه على الثقافة العالمية لم يتنكر لثقافته المحلية مدركاً أنها هي الأصل وهي القاعدة الصلبة لبناء الثقافة الشمولية، لذا ما انفك يخالط المتميزين من كبار السن والرواة والشعراء يأخذ منهم ويستزيد مثل الشيخ عبد الرحمن الربيعي راوية الشعر المشهور والشيخ محمد بن عبيد صاحب التاريخ المخطوط والشيخ أبو حمد الخنيني والشيخ العمري وغيرهم عدا من عرف من رجالات البادية بالشعر والرواية.
وتكررت أسفاره نحو الشام ومصر والدول الغربية والولايات المتحدة وتمكن من اللغة الإنجليزية اطلاعاً وكتابةً مما هيأ له سبل الاطلاع على مؤلفات الرحالة والمستشرقين فبلغ بذلك شأواً بعيداً. وأخذ ميله يتجه إلى دراسة الفكر النظري والمذاهب الفكرية والفلسفية في العالم، وكان أفضل من يكون حينما يجد من يناقشه أو يجادله في ميدان الفكر أو الفلسفة
.

حينما نتطرق للحديث عن اهتمامات أبي إبراهيم نجد أنفسنا في حيرة لتشعب هذه الاهتمامات وتنوعها وهذا ما أوقعني بحيرة شديدة حينما شرفني الإخوة في الملحق الثقافي بالكتابة عن هذا المفكر التنويري والمثقف الفذ، فأنا لا أذكر - وبحدود معرفتي - له نظيراً بسعة اهتماماته وتنوع ثقافته، فله اهتمامات لا حدود لها في:
الرواية: فهو أشهر راوٍ في حاضرنا عن أخبار البادية والحاضرة وما كان
من حروب ونزاعات ومناوخات وما دار بينهم من شعر النقائض وفي وسوم الإبل.
علم الأنساب: لا شك بأنه أشهر من أن يعرف في علم الأنساب والقبائل، وكثيراً ما جاءته خطابات ومكالمات للاستفسار في هذا المجال.
الشعر والأدب: هو الأديب الشاعر المطلع على شئون الأدب وشعره ونثره
إبداعاً ونقداً، العارف بمدارسه المميز لأجناسه، كان يطالعنا أحياناً على نصوص شعرية كتبها كانت غاية بالإبداع تتوافر فيها جماليات التصوير وعمق الفكرة ذات نهج حديث. منها المقفى وشعر التفعيلة، لكنه يضن به فلا أعتقد أن أحداً حصل على مثل هذه النصوص.
العلوم النظرية: يتميز أبو إبراهيم بتفكير علمي رصين فهو مهتم بالعلوم مما
يعكس استشرافه للمستقبل، فكما يتحدث بالفكر والأدب يتناول أبواب العلوم الأخرى تناول العالم المطلع كالتقنية بالطب وأنواع الأمراض وتقنية الفضاء كما يتطرق إلى شرح النظريات العلمية كنظرية النسبية ونظرية تطور الكائنات وعلم الجينات الوراثية وله اهتمام بالرياضيات والفلك وشئون الزراعة وكثيراً ما تحدث عن عالم الطفيليات والحشرات بدقة متناهية.
الآثار: تحظى الآثار بجانب كبير من اهتمامه فهو ينتقل إلى العديد من
الأماكن الأثرية في داخل المملكة وخارجها للتحقق والاطلاع وتدوين ما يراه، كما أن لديه بالإضافة لمكتبته العامرة الكثير من الأثريات التي يحتفظ بها.

تقاعد فقيدنا من إدارة مدرسة الملك عبد العزيز تقاعداً مبكراً منذ خمسة عشر عاماً تقريباً ليتفرغ للاطلاع والبحث، ولعلنا فهمنا من بعض إشاراته أنه كان لديه بعض ما ينوي أن ينجزه من الأبحاث والدراسات والمتابعات مثل: تعريفات مبسطة عن المذاهب والمدارس الفكرية والسياسية ومراجعة لتاريخ الشيخ محمد بن عبيد (مخطوط) ودراسة لشخصيات ذات أهمية من مدينة عنيزة، لكنه منذ تقاعده تكالبت عليه الأمراض ومن أبرزها فتاق أضعف حركته وشل نشاطه وأسقام تكتم عليها إلى حين وفاته رحمه الله، وتحت إلحاح الكثيرين أفرج الفقيد عن مخطوطين، أحدهما عن (الخياط) راعي البندق وصاحب القصيدة المشتهرة عن عنيزة صحح فيه الكثير من المعلومات المتناقلة حوله وحول القصيدة وكذلك أفرج عن قصيدة له مطولة التزم فيها قافية قصيدة الخياط المذكورة وهي تغطي أحداثاً تاريخية بعنيزة، وأرجح أن له إبداعاتٍ أخرى وهو ما تبين لنا من خلال إشارات منه غير مقصودة.
هذا غيض من فيض عن عبد الرحمن البطحي، الذي أحدث وعياً فكرياً - على الأقل - بين شباب مدينة عنيزة، وعياً يستوحي من الإسلام منهجاً ونبراساً وضميراً، ويتغذى من مخزونه الذي لا ينضب، ويقتطف من ثمار الفكر العالمي من الشرق بعراقته ومن المغرب بحداثته ما يوفر له ثراء وتوازناً.
والآن، كيف لنا أن نتصور عنيزة الوعي والثقافة، عنيزة الفكر والأدب دون عبد الرحمن البطحي..؟! الذين كانوا يتوافدون على عنيزة من أرباب الفكر والثقافة، كيف لهم أن يأتوا دون أن يلتقوا به..؟! كيف لنا بعد غيابه أن نلتقي ب(أبو يعرب) محمد القشعمي والدكتور الغذامي والوزير المهذب معالي عبد الرحمن أبا الخيل والشيخ أمد الله في عمره عبد الكريم الجهيمان والأستاذ محمد السيف والدكتور العثيمين و(أبو عبد العزيز) المصيريعي والدكتور عبد الرحمن السماعيل و(أبو يزن) إبراهيم التركي والأستاذ إسماعيل السماعيل والدكتور عبد الله الربيعي والشاعر المرهف (أبو عبد العزيز) الشريف والأستاذ عبد الله عيد المساعد والدكتور حمد المرزوقي (أبو نادر) والدكتور علي الخشيبان.. وغيرهم كثير ممن لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم ممن يأتون من خارج عنيزة.. كيف لهم أن يأتوا إذا عرفوا أن عبد الرحمن البطحي ما عاد بانتظارهم ليحادثوه ويستمعوا له، كيف لهم أن يأتوا إذا عرفوا أنه هناك في قطعة من الصحراء احتفظت بتوحدها وصمتها وسكونها لا يكاد يشير إلى مكانه سوى شاهدين من الحجارة لا يتميزان عن مئات الشواهد المنتصبة والتي لا نملك حين نعبُر من جانبها إلا الدعاء لأصحابها، وانهم المتقدمون ونحن المتأخرون. رحم الله أبا إبراهيم رحمة واسعة وعفا عنه وأجزل مثوبته وأحسن إليه كما كان هو باراً ومحسناً، وعوضه صحبة خيراً من بعض صحبه الذين كثيراً ما أخذوا عنه وتنكروا له. آمين.

وقفة
:

ذئب ترصدني وفوق نيوبه ** دم إخوتي وأحبتي وصحابي

 

 

 

ليس فقيد عنيزة وحدها..
عبدالكريم الجهيمان
*


رواية - محمد القشعمي
زرت بعد مغرب يوم السبت (التالي لوفاة المرحوم) برفقة الأستاذ إبراهيم العبد الله التركي - أبي قصي - أستاذنا الكبير عبد الكريم الجهيمان للسلام عليه وتعزيته بوفاة فقيد العلم والأدب المفكر عبد الرحمن إبراهيم البطحي لما نعرفه من علاقة وطيدة بينهما.
وبعد السلام عليه والقيام بواجب العزاء طلب أن يتصل بأشقائه بعنيزة لتعزيتهم وصادف أن كان شقيقاه سليمان وعبدالعزيز في طريقهما لزيارة مريض بالمستشفى، فكان حديث الجهيمان معهما بعد السلام والتعزية أن قال: ليس أبو إبراهيم فقيدكم لوحدكم أو فقيد عنيزة فقط، بل هو فقيد لكل طلبة العلم وأهل الخير سواء من عنيزة وغيرها وتمنَّى لو استطاع أن يحضر ليصلي عليه بالأمس معهم ولكن ظروفه الصحية حالت دون ذلك، وقد دعا له بالرحمة والمغفرة.
وعندما ذكرت له أن (المجلة الثقافية) ستخصص له ملفاً لمن يريد الكتابة به عما يذكره من مآثر وذكريات عن الفقيد وقد دعت المجلة أصدقاءه ومحبيه لذلك أو من لديه نصوص أدبية أو قصائد أو وثائق للمرحوم لنشرها فرحب وقال: عرفت المرحوم في وقت متأخر أي منذ خمس سنوات عندما تلقيت دعوة كريمة مع بعض الإخوة من قبل مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة لتكريمي، وقد أصرّ الأديب والمفكر عبد الرحمن البطحي على دعوتنا إلى منزله في اليوم التالي، حيث بقينا مع من رافقني من الأساتذة المحبين يوماً كاملاً في حديث متصل تناولنا فيه تاريخ عنيزة وموضوع (العقيلات): تاريخهم وبداياتهم ومن أشهرهم من أبناء عنيزة.
وقد اكتشفت لأول مرة أنه موسوعة كبيرة في مختلف العلوم القديمة والحديثة حتى إنه أصبح مرجعاً لكثير من طلاب العلم الذين يحضرون لنيل الشهادات العليا وغيرهم من أصحاب البحوث والدراسات المختلفة.. وعرفت أن من يزور عنيزة من المثقفين لابد من أن يزور مجلس البطحي الذي أصبح من معالمها، وإنني على يقين أن من عرفه وهو محب للعلم لابد أن يعاود الحضور لمجلسه حتى لو كان بعيد الدار.
وقد استمرت علاقتنا بعد ذلك وكان كثير المبادرة بالتهاني بالأعياد وغيرها من المناسبات.
وقد بادر مرة أخرى واتصل داعياً لزيارته بعنيزة بعد لقائنا الأول بسنتين وأصر على أن يرافقني الأستاذ سعد البواردي وبعض الإخوة وقضينا بضيافته يوماً وليلة واستمتعنا بحديثه الشيق وبمعلوماته الواسعة وبقدرته العجيبة على جمع هذا العدد بالرغم من اختلاف مشاربهم وأذواقهم وهواياتهم ورغباتهم..
وقد تمتعنا في هذا اليوم بكثير من أطايب الحياة من مادية ومعنوية ومن طروحات أدبية وثقافية بحيث كنا لا نخرج من مجال من مجالات الثقافة إلا إلى مجال آخر.
وقد عرفت في السنة الماضية أنه قد انتابه عارض صحي ألزمه المستشفى مدة طويلة في كل من عنيزة والرياض، حيث أُتيحت لي الفرصة بزيارته مرتين، وخرج على أمل أن يعاود نشاطه المعتاد.. ولكن العارض عاوده مرة أخرى مما لم يمهله طويلاً، حيث غادرنا إلى دار البقاء وعزاؤنا لأهله وخصوصاً أهل عنيزة وعموماً لمحبي الثقافة والأدب والله المستعان
.

 

 

البطحي بعيون باحث أمريكي
دونالد كول: البطحي علامة فارقة ومن الصعب أن تنساه الذاكرة


* القاهرة - عثمان أنور:

البروفيسور دونالد كول أو عبد الله طالب أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والحاصل على رسالة الدكتوراه عن البادية في المملكة العربية السعودية له دراسة هامة وشاملة عن مدينة عنيزة تلك المدينة التي أقام بها المؤرخ والعالم الموسوعي الراحل الدكتور عبد الرحمن البطحي البروفيسور كول أحد الذين التقوا وتعاملوا عن قرب مع الراحل عبد الرحمن البطحي وأفاد من علمه الغزير وثقافته العميقة والمتنوعة في شتى مختلف فروع العلم والمعرفة.... عندما حملت إلى البروفيسور كول خبر وفاة الراحل عبد الرحمن البطحي سرعان ما ظهرت عليه علامات التأثر الشديد وانتابته مشاعر الأسى والحزن لافتقاده رجلا بحجم البطحى وقال عنه كان مفكرا موسوعيا وعلامة بارزة للعلم والفكر وأعطى المملكة ثقلا علميا كبيرا.
(
الثقافية) التقت البروفيسور دونالد كول الذي حمل بعد اشهار إسلامه اسم عبد الله طالب في هذا الحوار حيث تحدث عن علاقته بالراحل الكبير عبد الرحمن البطحي وقصة تعارفهما ومدى استفادته من علم البطحي وتقييمه له ولمكانته في المملكة.

* كيف كان اللقاء الأول لك مع الراحل البطحي؟
-
تعود معرفتي بالمؤرخ الدكتور عبد الرحمن البطحي إلى أكثر من ثلاثين عاما حينما زرت المملكة العربية السعودية لأول مرة عام 1968 وكنت حينذاك أقوم بإعداد دراسة في العلوم الاجتماعية وكان لي صديق يعمل مدرسا للغة الانجليزية في المملكة هو مستر جيمس الذي كان على علاقة جيدة بالدكتور عبد الرحمن البطحي وقال لي مستر جيمس لا يمكن إتمام دراستك إلا بعد التعرف على الدكتور عبد الرحمن البطحي وذهبت معه إلى عنيزة حيث يقيم وكان البطحي رجلا معروفا في عنيزة والمملكة بأسرها وكان يحيط به دوما أصدقاء كثيرون كانوا يناقشونه في كل شيء ويستفيدون من علمه الغزير في مختلف المعارف والعلوم وذهبنا أنا وصديقي جيمس إليه في منزله واستقبلنا البطحي استقبالا رائعا ثم أخذنا معه إلى مزرعته التي يفضل الجلوس بها وهناك تناقشنا في العديد من الموضوعات مثل التاريخ والفلكلور الإنساني والمجتمع السعودي ووجدته رجلا موسوعيا ومؤرخا حقيقيا ومفكرا راصدا بدقة للمتغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع السعودي كل ذلك في أسلوب بسيط وسهل وسلسي وكنت أشعر وأنا جالس معه أنه المثقف الكبير يجب البحث والدراسة والتعلم ولا يبخل بعلمه على أحد كما أنه كان كريما إلى أقصى حد كما ناقشت معه العديد من القضايا التي كانت تشغل بالي في دراستى الأكاديمية فوجدت لديه علما غزيرا واستفدت منه كثيرا ومنذ هذا اللقاء صرنا أصدقاء وأصبح هو علامة لا ينسى في ذاكرتي وواحدا من علماء عنيزة والمملكة المتميزين وخرجت من هذه الزيارة وأنا أحمل إعجابا كبيرا بهذا الرجل وكنت شغوفا على متابعته بعد ذلك.

* هل قمت بزيارته مرة أخرى؟

-
بالفعل قمت بتكرار الزيارة له مرة أخرى ولكن عام 1986 حينما عدت إلى عنيزة وقضيت هناك قرابة شهرين لعمل دراسة عن التغيرات في عنيزة وأصدرت كتابا عن هذه التغيرات بعنوان (عنيزة.... التنمية والتعمير في مدينة نجدية عربية) بالمشاركة مع الدكتورة ثريا التركي وقد استفدت من الدكتور عبد الرحمن البطحي أيما استفادة ففي هذه الزيارة الثانية جلست معه أكثر من مرة وكنت أستمع له وهو يحكي عن التغيرات التي حدثت في عنيزة والقصيم بعد الطفرة النفطية ودهشت عندما وجدته يحدثني في قضايا متخصصة فكانت استفادتي كبيرة من هذا الرجل الذي يلعب دورا كبيرا في النهضة التعليمية بعنيزة والمملكة العربية السعودية وجعل عنيزة ومدن المملكة تحب العلم والتعليم وتقبل عليه. ورغم أنه كان رجلا لا يحب الظهور الإعلامي إلا أن كثير من الأصدقاء والمريدين كانوا يذهبون إليه في عنيزة يلتفون حوله ويستمعون إليه وكان دائما يذهب إلى مزرعته الصغيرة مع أصدقائه ويتناقشون في كل العلوم.. التاريخ والمجتمع والأدب والشعر فأنا اعتبر عبد الرحمن البطحي من الموسوعيين الكبار فهو ضمن قلة من العلماء إذا قابلتهم مرة واحدة من الصعب أن تنساهم الذاكرة.

* ما هي طبيعة وشكل إفادتك من الدكتور الراحل عبد الرحمن البطحي؟

-
الاستفادة كبيرة ولا يمكن تلخيصها في مجرد كلمات ففي زيارتي الأولى للمملكة والتي امتدت في الفترة من 1968 إلى 1970 كنت أعد رسالة الدكتوراه عن البادية في المملكة قبيلة المرة نموذجا وأثناء عمل الدراسة ذهبت إلى عنيزة والتقيت الدكتور عبد الرحمن البطحي الذي حدثني كثيرا عن طبيعة البادية والحياة فيها وتقاليد وعادات أهل البادية ووجدته خبيرا في شؤون البادية ولديه معلومات غزيرة وهامة استفدت منها في دراستي ومنذ هذه الزيارة وحفر اسم البطحي في ذهني حتى زرت المملكة للمرة الثانية عام 1986 وذهبت إلى عنيزة لعمل دراسة عنها وكان لابد أيضا من الالتقاء بالدكتور عبد الرحمن البطحي للاستفادة من علمه الغزير وخاصة عن عنيزة موطنه الذي خبره فوجدته مفكرا موسوعيا ولا يبخل بأي معلومة وهذا شأن الكبار لذا أشعر مع رحيل البطحي بالحزن الشديد وأؤكد أن المملكة افتقدت مؤرخا ومفكرا كبيرا بوفاة عبد الرحمن البطحي.

* ما هو تقييمك كعالم اجتماع بارتباط عبد الرحمن البطحي بالمملكة وعنيزة بشكل خاص؟
-
عبد الرحمن البطحي من المفكرين الذين يتسمون بتواضع جم وعلم واسع في شتى أنواع المعرفة والفنون وهو رجل ينتمي إلى أرضه وملتزم بعمله وعلمه في خدمة مجتمعه وخدمة الإنسانية فكان محب للأرض والناس من حوله ودائم البحث والدراسة وتوصيل أفكاره ومعلوماته بأسلوب سهل ومبسط لمن حوله وحثهم على العلم والتعليم وتطويع هذا العلم لخدمة مجتمعهم وتحسين صورته في الخارج لأن هناك في الخارج من يتصور أن المملكة مجتمع منغلق وهذه فكرة خاطئة فالمملكة العربية السعودية منفتحه على العلم والثقافة والفكر ووجود رجل مثل عبد الرحمن البطحي يؤكد ذلك كثيرا فالعلماء المثقفون يأتون إليه والاستفادة من علمه وهو أعطى للمملكة ثقلا علميا كبيرا ويعد الدكتور عبد الرحمن البطحي علامة فارقة في مسيرة العلم والثقافة في السعودية ويتوقف عندها الكثير من المفكرين والمثقفين والباحثين فيمد كل منهم ما يفيده في مجاله حيث يتصف البطحي بالمثقف الموسوعي .
* وما هي أبرز المتغيرات التي رصدتها في المملكة خاصة في عنيزة في فترة دراستك؟

-
رصد المتغيرات الاجتماعية في المملكة يحتاج لدراسة ضخمة وربما أكتفي بالإشارة عن عنيزة فهي تمثل دراسة حالة للتغيرات التي طرأت على مجتمع حضري صغير يقع في الجزء الأوسط من المملكة العربية السعودية وفي عنيزة. تلاشت الفوارق بين الأجيال كما أنها مجتمع منفتح ويتسم بالتعاملات الوطيدة بين البشر وأهلها يتسمون بالحكمة ومن الصعب تصنيف عنيزة طبقا للتصنيفات السائدة في الوقت الحاضر في العلوم الاجتماعية فإذا كان البعض يعتبر الهوية القبلية والتنظيم على أساس قبلي هما السائدان في نجد لدى البدو والسكان والمستقرين على السواء فإن هذا لم يكن حال عنيزة فقد كان الشعور قويا بالانتماء للمجتمع ككل على نحو يتجاوز الانتساب لأسرة أو لعشيرة كذلك لم تكن عنيزة مجتمعا مغلقا اقتصاديا وإنما كانت تقيم علاقات متنوعة مع الإقليم المحيط بها وفيما وراءه وكانت عنيزة تشبه في بعض الجوانب المدينة - الدولة ولكن علينا إلا نبالغ في مدى انطباق هذا الوصف عليها أن أهل عنيزة كانوا يشعرون بارتباطهم مع السكان المقيمين خارج مدينتهم ويتفاعلون معهم على أساس مستمر من الصلات القبلية أو النشاط التجاري كما أن الميل الاستهلاكي ليس صارخا في عنيزة كما هو في المدن الكبرى
.

 

 

أحزنني موت البطحي
أ.د.صالح جواد الطعمة


My apologies for not responding promptly to your sad news. We were out-of- town during the past few days.
I am truly sorry to learn about the death of al-?allamah al-shaykh Abd al-Rahman al-Bathi. His death saddened me in ways more than one. We lost a rare model of scholars dedicated to the pursuit and promotion of knowledge and enlightenment through dialogues and informal discourse. It saddened me to know that al-Bathi?s multi-faceted and rich legacy has not been committed to writing during his life time. Though I have not read any of his writings, my brief experience attending his lively salon has left me with memorable impressions of his stature as a free and stimulating thinker/educator. I was particularly impressed by his encyclopedic knowledge, his tolerant orientation, and his grasp of, or familiarity with, global intellectual trends or issues in diverse fields. I deeply regret having missed the opportunity to know more about him and to attend more of his informal sessions. I sincerely hope that efforts will be made by al-Bathi?s students, and other intellectuals who have attended his salon to preserve for posterity highlights of al- Bathi?s rich career, his views on significant issues of the day and other unpublished material.
Salih


علم الأستاذ الدكتور صالح جواد الطعمة من صديقه وتلميذه الدكتور عبدالرحمن السماعيل بوفاة الراحل، فبعث بهذه الرسالة:

العرزالة
أولاً أود أن أعتذر عن عدم ردي على الأخبار المحزنة التي وصلتني منك؛ حيث إنني كنت خارج المدينة خلال الأيام الماضية. وقد آلمني كثيراً عندما قرأت خبر وفاة العلامة الشيخ عبد الرحمن البطحي الذي أحزنني خبر وفاته كثيراً؛ فقد فقدنا أحد النماذج المهمة من المعلمين الذين اهتموا بالتنوير والعلم من خلال الحوار العلمي. كما أحزنني أن مثل هذا القدر من العلم الذي حظي به العلامة الشيخ البطحي لم يخضع للكتابات والتحليلات خلال فترة حياته. وعلى الرغم من أنني لم أقرأ كثيراً لهذا الشيخ إلا أن مجرد حضوري لعدد من صالوناته قد ترك كثيراً من الانطباعات التي لا تُنسى عنه كعالم ومفكر ومعلم. وقد لفت نظري كثيراً ذلك العلم الموسوعي الذي تحلى به، وتلك الأصالة التي طالما بدت من بين أحاديثه، وكذلك تماشيه مع الاتجاهات الفكرية العالمية والقضايا في مختلف المجالات.
إنني أشعر بالندم؛ لأنني أضعت فرصة أن أعلم عنه الكثير وأتعلم منه الكثير أيضاً. وآمل أن تتاح الفرصة لتلامذة البطحي وكذلك للمفكرين الآخرين الذين كانوا يواظبون على حضور الصالونات التي كان يقيمها لإبراز أفكاره ومسيرته الغنية ورؤيته وتحليلاته حول كثير من قضايا الساعة، وأن يعملوا على نشر مقالاته وكتاباته التي لم تنشر له في حياته.

----------------------------------------
*
إنديانا -
الولايات المتحدة

 

 

 

سيِّد المجالس
عبدالله محمد الغذامي
*


لن ألوم أحداً من القراء والقارئات فيما لو ظنوا بكلامي عن عبدالرحمن البطحي الظنون واتهموني بالمبالغة وتكبير الكلمات، وقد يرون أن المحبة والتقدير الخاصين لهذا الرجل هما الباعث على الثناء، لن ألوم أحداً يقول ذلك، فكل مَن لم ير عبدالرحمن البطحي ولم يجالسه لن يتصور صدق الكلمات في حقه ولن يتصور تعداد الصفات فيه.
أما أنا فقد جالست الرجل مدة تزيد على أربعين عاماً وقد تلامس الخمسين، وعرفته جاراً لنا مثلما عرفته أستاذاً ومعلماً وراعياً للنشء، وكان صاحب عين ثاقبة يرى التميّز والنبوغ في وجه الطفل الصغير ثم يبدأ في رعاية الصغير وتوجيه بوصلته الفكرية حتى ينضج. وهذه سيرة تربوية عرفناها عنه، وهي على جلالها لم تكن هي الجالب لهذا الإعجاب الكبير لعقله ولشخصيته.
إن القصة هي قصة مجلس من نوع خاص جداً، وعبدالرحمن البطحي هو المجلس والجلسة، وهي جلسة امتدت عمره كله، في كل ليلة من ليالي حياته، يضاف إليه صبحيات وضحويات الإجازات، حتى ليالي العيد والجمعة وحتى ليالي البرد والمطر. كان المجلس مفتوحاً، وفيه كانت الحكاية كلها.
لو قال لك قائل إن هذا المجلس يذكره بمجلس سقراط مع تلاميذه، ولو قال قائل آخر إنه مجلس يشبه مجلس الأصمعي، ولو قال ثالث إنه مجلس يشبه مجالس مضارب البادية والسمر، ولو قال قائل إنه مثل مجالس العقاد، ولو قال آخرون إنه جامعة مفتوحة، لو قال هؤلاء كل هذه التشبيهات لصحت كلها، ولكل من هذه التشبيهات وجه وصواب.
ولو قلت لكم إنني في مجلس عبدالرحمن البطحي عرفت الناس في كل طبقاتهم، من الفلاح إلى الطالب إلى السياسي والمؤرّخ والمفكر، ولو قلت لكم إنني إذ فقدت مجلس أبي إبراهيم فإنني أفقد صلتي الوثيقة بالنماذج الاجتماعية فلا تظنوا أنني أبالغ، لقد كان هو صلتنا كلنا ببعض، وهو ظلنا وخيالنا مثلما هو عقلنا.
في مجلسه يتنوّع الحضور، ولكنك تسمع صوتا واحداً فقط، إنه هو، وعنده تنتهي شهية الكلام، ويتنازل كل منا عن كل أنانيته واستعراضيته وعن قدراته ويؤجل ذلك إلى حين ينتهي المجلس، فالجميع يأتي لسماع أبي إبراهيم وتوجيه السؤال له.
وهنا تنشأ اللعبة كلها فمن يبادر بطرح سؤاله من بداية الجلسة هو الذي سيقرر مصير تلك الليلة أو الضحوية، وأنت مع أبي إبراهيم لا تحتاج إلا لتقديم السؤال والباقي عليه وعلى الحاضرين في المجلس، مع رسم تلقائي للأدوار، فلهم الاستماع ومتابعة الموضوع بمزيد من الأسئلة وتفريعات لها، بينما يتولى أبو إبراهيم الباقي. ولله كم هي لحظة مشرقة تتجلَّى فيها ابتسامته وتتهلّل قسمات وجهه ويطير محلقاً كنسر مجنح أو كفرس منطلق، حينما يأتي سؤال ذكي ولماح وجديد، حينها ترى عبدالرحمن البطحي يحلِّق في سماء الجلسة مثل الخيال أو أخف، ثم تسمع العجب العجاب، من فكر وفلسفة وتاريخ ورأي.
تأتي متعة الجلسة معه حينما تتحداه في أمر من أمور الثقافة والخبرة، ليكن عن أمراض النخيل أو عن تاريخ نوع منها وكيف جاء ومتى جاء وما حكايته، وليكن عن أمر من أمور السياسة وطوارئها، وليكن عن الفيزياء - ولقد تعلمت منه أموراً في الفيزياء لم أكن لأعرفها لولا استطراد طريف قاد إليها، ثم عزَّزها سؤال استيضاحي - وكذا الحال مع الفلسفة وعلوم الدين والعقائد والمذاهب والطوائف، وهي الحال نفسها مع الإنسان وتاريخ العرب والخيول والحروب والأشعار والروايات، وحينما كنت أبحث في موضوع كتابي (النقد الثقافي) جلست مع أبي إبراهيم جلسات لأعرف منه أموراً في الثقافة الشعبية
ودلالات الكرم والضيافة وشعر المديح، مما أفادني كثيراً، ولقد سجلت شكري له في مقدِّمة الكتاب، كما أنني كنت - وما زلت - أعد العدة لبحث مطول عن القهوة، ولقد تحدثت معه مراراً ومراراً، وأخذت عنه فيه أموراً كثيرة في رموز البحث ومجازاته، حتى وهو على سرير المستشفى، حيث استمر حديثي معه حول هذا الأمر كلما سنحت فكرة استطرادية تجلب معنى أو تحيل إلى إشارة مفيدة لهذا الموضوع، ومرة قال لي فكرة وهو يعتصر من شدة الألم وعجز عن إتمامها بسبب الألم الذي كان في صراع معه لحظتها، وكان الألم يعصره وهو يقاوم، وكنت أرى ذلك ولم يتركني - رحمه الله - أدفع به إلى ترك الموضوع، كان يصارع من أجل أن يقول لي الفكرة، وكأنه يتسابق مع الموت كي يغرس شجرة قبل قيام القيامة، وجاء هاتف شغله وأنهاه، فنسي المسألة وتركته ينساها شفقة عليه من المكابدة، ولكنني بعد أن ودعته وذهبت تفاجأت بهاتف منه على منزلي بعد ساعات من تلك الزيارة، وقد اتصل يعتذر عن انشغاله ونسيانه، ثم أخذ يتكلم معي بشأن تلك الملاحظة ويدقق في معانيها، ولقد سجلت ذلك كله وسأشير إليه - إن شاء الله - إذا كتبت بحثي عن القهوة.
وأنا إذ فقدت عبدالرحمن البطحي لا أفقد شخصاً ولا أفقد صديقاً ولا أفقد رجلاً كريماً ورمزاً ثقافياً عالياً فحسب، وإنما إضافة إلى ذلك كله أفقد علاقة مع المكان والزمان، فعنيزة بالنسبة لي هي بلدة أبي وأمي، وكنت أذهب إليها لأجلهما، ثم لما رحلا إلى ربهما، صرت أشعر بفقدان صلتي بعنيزة وأشعر بانقطاع سبب علاقتي بها، ولكن عبدالرحمن البطحي هو العوض، وكان لي هو زينة المكان وطعمه ورائحته، وآخر مرة زرت فيها عنيزة كانت في عيد الأضحى الماضي (1426هـ)، ذهبت هناك لمدة أربع وعشرين ساعة، وفيها ذهبت إلى مجلس أبي إبراهيم، وكانت صحته وقتها ليست على ما يرام، وحينما دخلت على مجلسه وكان عامراً بالناس، حاول أن يقوم متحاملاً على نفسه للسلام علي وحاولت منعه من القيام لكنه قام وسلَّم وتهلَّلت نفسه، وشكرني إذ جئت إلى عنيزة وقد ظن أنني قد قطعت مع المكان بعد وفاة والدتي، ورددت عليه بأن قلت إن سبعين بالمائة من زيارتي هي لك وبسببك، والباقي من أجل بناتي لكي يشعرن بالعيد، ولقد تهلَّل وجهه مصدقاً لقولي وهو يعلم صدقي وصداقتي له. وهو الرجل الثاقب البصيرة الذي يقرأ الكلمات ولا تفوته الملاحظة وتمييز الصدق من المجاملة.
راح السبب وراحت الصلة وانقطع الكلام وأغلق المكان بعدك يا أبا إبراهيم، ورحمة الله عليك أيها المؤمن العميق في إيمانه، والصادق الصادق في قوله وفعله، وأنا لست أبالغ وكل من عرف أبا إبراهيم أو حضر له مجلساً، يعرف أن ما قلته هو حق وحقيقة. ورحمة الله عليك يا سيد المجالس، هو رجل انقطع فليس له ذرية تخلفه وليس له كتب تشهد على عبقريته، ولكنه خالد فينا وبنا وعبرنا. ولله ما أخذ ولله ما أعطى.

-------------------------------------
*
الرياض

 

 

حدث عن البحر ولا حرج
محمد بن سليمان القبيل


في يوم الجمعة الموافق25-6-1427 هـ ودعت مدينة العلم والثقافة والتاريخ (عنيزة) علماً من أعلامها، وقطباً من أقطابها، ورمزاً من رموزها، عالم أفنى عمره في خدمة العلم وأهله، وبذل الغالي والرخيص لطلابه وقاصديه، ألا وهو شيخنا وأستاذنا العلامة الموسوعي عبدالرحمن بن إبراهيم البطحي، رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا به في جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ومن باب العرفان والوفاء لشيخنا أحببت أن أشارك غيري ممن كتب عنه في الصحف في هذه العجالة، ولي في حياة أستاذنا بعض الوقفات.
الوقفة الأولى: تفرغه التام للعلم وأهله، حيث كان رحمه الله يجلس بصفة يومية لاستقبال طلاب العلم على اختلاف درجاتهم وميولهم في مزرعته (مُطلة) المطلة على جوهرة الجزيرة العربية وعذرائها مدينة (عنيزة) من قبل صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بساعة أو ساعتين يتم الحوار فيها في كل فن وعلم، تطرح عليه الأسئلة والإشكالات فيبحر في الإجابة عنها بكل دقة وتفصيل حتى يظن السامع أنه لا يعرف إلا ذلك الفن أو العلم ويزيد على ذلك بأن يدل السائل على المراجع التي يحب أن يتزود منها، وإن كانت هذه عنده رحمه الله فلا يبخل بها سواء كانت مطبوعة أو مخطوطة، أو وثيقة حتى أنه يعطي من يجهله أمره وشخصه، فكم طالباً ارتقا الدرجات العلى على أكتافه وهو مع ذلك لا يريد من أحد جزاءً ولاشكوراً.
الوقفة الثانية: روايته الموثقة المعتمدة على تتبع الوثائق والرواة الثقات، فقد كان رحمه الله لا يبت في حادثة من الحوادث أو نسب أو قصة إلا عن مصدر موثوق، فإذا سمع بقصة أو حادثة من شخص سأل عنها غيره ثلاثة أو أربعة حتى يوثقها ويجمع بين رواياتها، كما أنه استطاع بجهده وماله وثقة الناس به جمع المئات من الوثائق خصوصاً ما يتعلق بمدينة عنيزة وأسرها وأعلامها.
الوقفة الثالثة: براعة الإلقاء، حيث وهبه الله منطقاً بليغاً ولساناً فصيحاً، وحبكاً رائعاً للقصص والأحداث، كأنك تراها عياناً عندما يصورها ويصفها، فلا تغفل عن حديثه لحظة واحدة لسلاسة أسلوبه ودقة وصفه للأحداث، فترسخ في ذهن سامعها لأول وهلة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الوقفة الرابعة: التحليل الدقيق للأحداث التاريخية والسياسية وربط بعضها ببعض لسعة روايته ودرايته، وله في هذا القدح المعلى، وكيف لا يكون كذلك من آتاه خالقه حافظة قوية وذهناً وقاداً وعقلاً يستعمله، وكان يردد علينا دائماً بأن مشكلة المؤرخين قديماً وحديثاً هو سردهم للأحداث دون تحليل أو ربط أو استنباط لما يذكر، وهذه هي زبدة التاريخ المفقودة التي من خلالها يستطيع القارئ التوصل إلى الأسباب والنتائج بكل يسر وسهولة، كما أنها تولد لدى القارئ قراءة مستقبلية للتاريخ وبعد نظر للقادم من الأحداث.
الوقفة الخامسة: دقته في انتقاء الألفاظ والمصطلحات عند الحديث، لذا يجب على سائله أو محاوره أن يفكر ألف مرة في ما سينطق به حتى لا يقع في نقده وعتابه الصادر من معلم ومربٍ يغيظه ما وصل إليه حال لساننا العربي ونحن أمة أعظم اللغات وأشرفها، ودائماً يقول لنا: (إن مشكلتنا أننا نبسق الكلام بسقاً دون أن نعي ما نقول).
هذا ما أحببت المشاركة فيه، في حق أستاذنا القدير المقلَمة السيّارة والخزانة المتنقلة، وأنا أقل من ينبه على قدره كلمي، أو أن يوضح بناءها قلمي، فهو بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه.
فرحمه الله وجعل نزله في عليين.

----------------------
*
عنيزة

 

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه..!
عبدالعزيز بن حمد القاضي


لم يكن عبدالرحمن البطحي- رحمه الله- شخصية عادية حتى تمر وفاته مرورالكرام، بل كان شخصية وطنية كارزمية في شتى مجالات الثقافة المتعددة.
ولم أعجب من كثرة البكائيات التي سفحت الدموع على رحيله في المجالس وعلى قبره ثم في صدور الصحف والمنتديات، فقد كان- رحمه الله- رمزا وعلامة بارزة في ساحة عنيزة الثقافية والاجتماعية على وجه الخصوص.. وعُرف - حسب تقديري - أول ما عُرف تربويا حازما ذا شخصية قيادية آسرة، فيها شدة الحزم، ولطف الرحمة.. وكان مديرا لأول مدرسة حكومية رسمية على مستوى الدولة (وليست الوحيدة طبعا في الأولوية) وهي مدرسة (العزيزية) التي غُيّر اسمها فيما بعد إلى مدرسة (الملك عبدالعزيز)،وعندما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية سمعت عنه من أصدقائي الذين يدرسون في العزيزية، وأنا من طلاب مدرسة المأمون (الحيالة) سابقا، قصصا تُتداول على سبيل الطرفة والاستغراب، وكانت تحكي عن إجراءات يتخذها بصفته مديرا للمدرسة غريبة بعيدة عن التوقع، والإدهاش في التصرف غيرالمتوقع أحد سمات المبدعين. وكنت سمعت عنه طرفة قديمة تقول: إنه كان يتعلم قيادة السيارة، ويبدو أن ذلك كان في أوائل التسعينيات الهجرية، وفي إحدى جولاته اصطدم بجدار في أحد الأزقة الداخلية، ويبدو أن الصدمة كانت قوية استدعت حضور المرور، فسأله الشرطي سؤالا غبيا: (ليش صدمت الجدار ؟) ! فرد عليه برد يناسب غباء السؤال، ويعبر عن شخصيته الصارمة قائلا: (علشان أوسّع الشارع) ! ثم عُرف مثقفا.. وله حضور واضح في الأدب والتاريخ والأنساب وغيرها، واشتهر عنه أنه قارىء من الطراز الأول، للكتاب من وقته نصيب وافر.
ولم يكن - حسب ما سمعت - يقصر اهتمامه القرائي على مجال دون مجال، بل كان يقرأ في كل المجالات.. وكان يُرتب وقته ترتيبا صارما، فلا يسمح لنشاط بانتهاك وقت نشاط آخر، لذلك لا يسمح لأصدقائه وزواره - حسبما سمعت - بزيارته من غير موعد مسبق.. وهو أسلوب لم يعتد عليه المجتمع الذي يحفل بكل شيء عدا تنظيم الوقت واستثماره ! ولا يعني ذلك أنه - رحمه الله - كان لا يجامل، لا أظن.. فهو ابن بيئته والمجاملة في بنيتنا العقلية جينات وصفات وراثية انتقلت من المكتسب إلى الفطري ! وهو- حسب علمي - لا يلجأ إلى هذا الأسلوب كثيرا، لكنه وهو المربي العريق كان يقدم دروسا عملية في النظام ومراعاة الظروف، وحسن إدارة الوقت، كان بهذا التصرف يهرب من الازدواجية في الشخصية - وهي أيضا صفة وراثية لازمة لنا - إلى الوحدة، ولو لم يلجأ إلى هذا الأسلوب لمضت حياته في مجاملات واستقبالات فوضوية، وهو مالا يريده هو ولا محبوه وزائروه أيضا.
وعُرف كذلك - ولعلها أبرز صفاته العملية - وطني مخلص، تغلغل حب الوطن وعنيزة على وجه الخصوص، في شغاف قلبه، وليس بدعا في ذلك فأهل عنيزة معروفون بحبهم الشديد المفرط لبلدهم، وعبروا عن ذلك بشتى وسائل التعبير، ولعل القصائد والمقطوعات الشعرية الفصيحة والنبطية الكثيرة كثرة تفوق المعقول التي تغنى بها أهلها قديما وحديثا، خير دليل علىذلك.. عشق عنيزة عشقا جعله يُسخر كل طاقاته في خدمتها، حتى ثقافته نشاطه الفكري جعله يصب في هذا الاتجاه، فاهتم كثيرا بتاريخها السياسي والأدبي والاجتماعي، وقرأ كل ما كُتب عنها، وصحح كثيرا من مغالطات الباحثين العرب والأجانب التي أملتها استقراءات ناقصة أواستنتاجات سطحية، وقد نذر نفسه ووقته وعلمه لذلك، وفتح مجلسه لكل باحث ومهتم. ولعل الشعر، والنبطي منه على وجه الخصوص، كان له النصيب الأوفر من نشاطه الثقافي، فله فيه على مستوى النظم والنقد والتذوق بروز - محلي -مشهود، وكل ذلك لا يخرج عن إطار سماء الولاء المفرط لعنيزة، والمحلية هنا وإن كانت ضيقا، إلا أنها ضيق الاختصاص لا ضيق الضعف، فهو رجل صادق مع نفسه، واهتمامه بعنيزة روحا وفكرا وثقافة اهتمام تمليه الفطرة، ولا يقوده التكلف وحب الشهرة، وهذا يعني أنه كان يخدم نفسه بخدمة عنيزة، فهو يمارس ذلك العشق ممارسة الهواية وإشباع الحاجات النفسية.
ترجم ل(راع البندق) وهو صاحب أشهر قصيدة حربية وطنية نبطية علىالإطلاق، وهي قصيدة (هذي عنيزة مانبيعه بالزهيد)، المرحوم علي بن رشيد الخياط، ولتلقيبه ب(راع البندق) قصة مؤثرة ذكرها البطحي في تقديمه.. ترجم له ترجمة شاملة موثقة تاريخيا، جلت كثيرا من الغموض الذي لف حياته، لكنها لم تُطبع ولم تُنشر رسميا، بل تم تداولها علىالمستوى الشخصي، وقد قرأتها أول ما ظهرت وأظن ذلك عام 1424ه، والسبب في عدم طباعتها يعود - والله أعلم - إلى أ ن المرحوم يرى أنها خاصة لاتعني الكثيرين.. ولعل ورثته يقومون بنشرها خدمة للتاريخ والثقافة، فهي ليست ترجمة لشاعر من الشعراء فحسب، بل وثيقة تجلو كثيرا من غموض أحداث القرن الثالث عشر الهجري في عنيزة، وكانت عنيزة وقتها علىالمستوى السياسي والثقافي والاقتصادي في نجد رقما صعبا في معادلة الحضارة، وإحدى أهم العواصم في المنطقة. وللبطحي- رحمه الله- ملحمة شعرية تحكي تاريخ عنيزة تُذكرنا بقصيدة الأستاذ عبدالعزيز المحمد القاضي الشهيرة (العنيزية)، لكن هذه الأخيرة بالفصحى، وقصيدة البطحي بالعامية، وقد عنونها ب(هذي عنيزة)، وكتب في مقدمتها (لكل إنسان الحق المطلق بأن يفخر ويعتز بتاريخ بلده، وبأفعال أهلها المتميزين إن وُجدت، لا بقصد التعالي على غيره، والاستهانة به، وإنما بهدف ممارسة الحق الطبيعي وتثبيته..) ونظمهامعارضة لقصيدة الخياط التي أشرت إليها قبل قليل، وجعلها على نمطها أسلوبا ووزنا وقافية، بل إنه جعل مطلع قصيدة الخياط عنوانا لمنظومته.. قال في التقديم
:

أتبع ثرى الخياط وآطا جرّته ** وأبستريح بخيمته وظلالها
وأكتب أمور بعضها ما مرّته ** قبله وبعده سجلوها أبطالها


إلخ وقد صدّر البطحي ملحمته بمطلع قصيدة الخياط، ثم قال بعده:

هي ديرتي هي ديرة العز التليد ** الله رفع قدره وعزّ رجالها
من يوم ابن عامر بدا غرس جديد ** بالضفة اليمنى وحطّ رحالها


إلخ وفي ختامها قال (هذه المنظومة تُغطي أحداثا خاصة بعنيزة ابتداء من سنة1182هـ لغاية سنة 1322هـ حيث حل السلام والاستقرار فيها(يقصد عنيزة) بعد استعادة أهلها لها من حكم الرشيد.. ولهذا لم تتضمن المعارك الكبرى الثلاث: بقعا سنة1357هـ، واليتيمة سنة 1265هـ، والمليدا سنة 1308هـ، لكونها مشتركة بين عنيزها وغيرها من بلدان القصيم..).
والبطحي في تعصبه المحمود لعنيزة يمثل امتدادا لكثير من الشخصيات التي وقفت حياتها على خدمتها باللسان والقلم والفعل، ومن أشهره مالخياط المذكور، والوزير المرحوم ابن سليمان، والشاعر الشهير أبوماجد- رحمهم الله- وقبلهم وبعدهم كثيرون.
كان- رحمه الله- ملاذا حنونا لشداة الشعر، وكان مجلسه سواء في بيته في(المسهرية) أواستراحته (مطِلة، وسماها بذلك لأنها تطل علىالوادي على ما أظن) منتدى أدبيا، كان يقرأ لهم ويسمع منهم ويشجعهم، ويبدي فيما يقرأ ويسمع نظرات نقدية ثاقبة تأخذ بأيديهم وتوجههم توجيها يصقل الذائقة والموهبة، وكان مجلسه عامرا بشعراء عنيزة الشباب المحترفين - إن صح التعبير - وتدور فيه حوارات أدبية نقدية في المعاني والمفردات والصور، وكان منهجه الصارم لا يسمح له بامتداح مالا يستحق المديح.. قال لي الشاعر العذب الصديق سليمان العليان عنه: وجه لي دعوة خاصة عندما سمع شعري في البدايات، وتوجيه الدعوة من البطحي لشاعرنا شيء تكريم، فحضرت وكان في المجلس عدد من أصدقائي الشعراء، فأسمعته قصيدة لي جاء فيها (ياحبيب الروح والله مشكلة)، وعندما قرأت عليه هذا البيت اختلجت عيناي بنظرة سريعة إلى وجهه، فقال لي بعد أن أتممت قراءة القصيدة: أعلم أنك غير مرتاح من كلمة (مشكلة)، وهي كذلك غير مريحة وغيرمناسبة، عرفت ذلك من نظرتك الخاطفة عند قراءتها ! فقلت: لم أجد غيرها! وفي موقف آخر، قال سليمان العليان: قرأت عليه قصيدة لي جاء فيها
:

ما أبكيك والله لو تماديت بأخطاك ** أخاف عيني لا بكيتك تهلّك !

فلما سمع البيت لمّ رأسه بكلتا يديه تعبيرا عن الإعجاب الشديد، وقالولّ حسبي الله عليك..! وشلون وصلت ؟!) أي كيف غُصتَ على هذا المعنى الدقيق ؟
وأحب أن أشير في ختام هذه الرحلة إلى بعض جوانب شخصية المرحوم الأستاذعبدالرحمن البطحي، إلى أهمية التزام المصداقية، وتقنين العبارات عند الحديث عن الشخصيات، فلا يزيد الشخصية مجدا وصفها بفخم العبارات، ولا ينقصها تقديمها بماله رصيدا من الواقع منها. فقد أجرت إحدى الصحف المحلية في العام الماضي على ما أظن مقابلة مطولة مع المرحوم، وجعلت لها عنوانا فضفاضا يقول (العلامة الكبير والأديب المفكر عبدالرحمن البطحي.. يخرج عن صمته)، ولا شك في أن صياغة العنوان بهذه اللغة المجلجلة حماسة أملتها روح الكاتب، والعرب تقول:
ومن الحب ما قتل ! فهل أفادت هذه العبارة في تقديم الأستاذ عبدالرحمن البطحي، وهو الذي لا يُحب أن يكتب شيء عنه في القنوات الإعلامية، ولو كان خبرا مصوغا بلغة علمية لا أدبية ! عبدالرحمن البطحي - حسب تقديري - شخصية مهمة على المستوى المحلي ثقافيا واجتماعيا، وهو مفكر له آراء خاصة تفصح عن خبرة وذكاء، وبعد نظر فيما يجري من الأحداث، وله فلسفة خاصة في النظر إلى الأمور، لكن مصطلح المفكر والفيلسوف عندما تُقرأ في الصحف، تجعل القارىء المهتم يبحث عن رصيد لهذه الألقاب من إنتاج فكري وفلسفي.. وعبدالرحمن البطحي، لا إنتاج له مكتوبا - حسب علمي - في هذه المجالات، ولم يُقدم نفسه يوما على أنه كذلك، بل هو باختصار شديد كما يبدو لي: مثقف شامل، وأديب (مختص في الأدب العامي)، ومؤرخ، ووجه اجتماعي بارز معدود في طليعة وجهاء المدينة.
هذه خواطر كتبتها تلبية لدعوة كريمة من عدد الأصدقاء وعلى رأسهم أديبنا وكاتبنا ذو العبارة الأنيقة الأستاذ إبراهيم التركي، القائم على إعداد هذا الملف.. ومشاركة وجدانية واجبة تجاه رمز وطني وثقافي.. وليعذرني محبو المرحوم وأصدقاؤه ومريدوه، على قلة معلوماتي وضعف بضاعتي في الحديث عنه هنا، فأنا لم أتشرف بمقابلته أوالاستماع إليه يوما، وكلما ذكرته هنا مما سجلته الذاكرة من أحاديث الأصدقاء، وما يتناقله الناس هناك عنه، حزنت - كغيري - لرحيله حزنا شديدا، وأحسست بخسارة فادحة، وندمت كثيرا على عدم اتصالي بفكره وشخصيته.. فأنا وإياه كما قال الشاعر:
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه !
رحم الله أبا إبراهيم رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، فقد كانت وفاته رزءا كبيرا، وثلمة في جسد الثقافة في عنيزة، وبفقده يفقد المجتمع العنيزي أحد أبنائه البررة ووجهائه المقدمين، وقيل قديما
:

لعمرك ماالرزية فقد مال ** ولا فرس يموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حرّ ** يُراع لفقده خلق كثير


وقد رُوّع لوفاة الأستاذ البطحي كل المجتمع العنيزي.. رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا وإياه في جنات النعيم.

--------------------------------------
*
مثقف وتربوي
الرياض

 

سلامـاً أيهـا الجبـلُ ..

محمد بن عبدالله العود
*


إلى روح شيخنا عبد الرحمن بن إبراهيم البطحي
طيّب الله ثراه
..


سلامـاً أيهـا الجبـلُ ** سلاماً عاطـراً يصـلُ
سلاماً من محبّيـكَ الْلَذيـــــن بحبّـك اتّصلـوا
وممن كنتَ تعشقُهـم ** وممّن فيك قد ثَمِلـوا
سلاماً والفؤادُ صمـيــــــــمـه ذكـراكَ تمتثـل
رحلتَ وما رحلتَ، فلم ** نزلْ بهـواك نتَّصـل
ولم تبرحْ (مُطلةَ) مـذ ** نُعيتَ فماؤهـا نهَـلُ
وتلك نخيلُهـا تحكـي ** شموخَك حين ترتسـل
وجمرُ نداكَ لم يبـرحْ ** على الكانون يشتعـل
وفنـجـانٌ تقـدمُـه ** يمينُـك إنّـه عسـل
ووجهُك مورقٌ بين الــــوجوهِ تحوطُه المقـل
نراك، ولا نراك، فمن ** يعزّي من؟ ويحتمـل؟
ألا يا أيها الـرّوحُ الْلـــــتي يحيا بهـا الأمـل
فنقبسُ من كرامتِهـا ** فلا ضعفٌ ولا وجـل
ألا يا أيهـا العقـل الْلـــــذي يُرقى به الدَّخَـلُ
فنوقدُ منـه جذوتَنـا ** فلا يـأسٌ ولا فشـل
ويـا فيئـاً نـعـاودُه ** فتغمرُنـا بـه الحُلـل
فزال.. ولم تزلْ تزكو ** بك الأزهـار والنَّفَـل
لئن غابت بك الأقـــــدار يغني ذكرُك الخَضِل
(
فنارٌ) في زمان الزّيــــــْف ما ظلّت به السّبـل
وأصلٌ راسخٌ كالطّــــــــود , لم تعصفْ به العِلل
كأنّـك والعـلا خِدْنـــــــانِ , مشمولٌ ومشتَمِل
سلاماً لم تزلْ ملء القـــــــلوبِ، وفيـك تَعْتَمِـل
سلاماً في جنانِ الخلـــــــدِ قد شهدت لك
المُثُل



---------------------------
*
عنيزة